On Children

Khalil Gibran

 الأبناء

ترجمة: رشاد حسن

children-in-old-photos-14__605

 

 أبناؤكم، ليسوا بأبنائكم،

ما هم إلا أبناء لحياة تتوق إلى نفسها،

إذ تراهم معك، لا تحسب أنهم لك.

قد تمنحهم المحبّة،

ولكنك لن تمنحهم الأفكار،

فلهم أفكارهم الخاصة.

قد تمنحهم بيتًا يأوي أجسادهم،

ولكنك لن تمنحهم بيتًا يأوي أرواحهم.

لأن أرواحهم تعيش في غياهب الغد،

ذلك الذي لن يخطر حتى في أحلامك!

 

كل ما بوسعك،

أنْ تكون مثلهم.

لأنهم لن يكونوا مثلك!

فالحياة لا تعكس مسارها، ولا تبقى مع الأمس.

 

إنّما أنت القوس، وإنّما همُ السهام،

التي تصوّبها نحو أهدافها.

فلربّما ترى كقنّاص ..

أهدافًا لا نهائية على الطّريق،

ثمّ بقوّة تحني القوس،

كي ينطلق سهم نحو هدفه بسرعة خاطفة!

فلتسمح!

كلّما أثنيت قوسك،

أن ينطلق فقط من أجل البهجة،

فمثلما يحبّ القناص؛

سهمًا ينطلق من قوسه!

يحبّ أيضًا؛

قوسه الذي لا يزعزعه

انطلاق السّهم!

 

 

بعض منك سقط في الظلام

       ترجمة: رشاد حسن 

  • “I have wanted to kill myself a hundred times, but somehow I am still in love with life. This ridiculous weakness is perhaps one of our more stupid melancholy propensities, for is there anything more stupid than to be eager to go on carrying a burden which one would gladly throw away, to loathe one’s very being and yet to hold it fast, to fondle the snake that devours us until it has eaten our hearts away?” – Voltaire, Candide

“لطالما راودتني رغبة في قتل نفسي مئات المرّات، غير أنّي ما زلتُ في حبّ مع الحياة، لا شكّ أنّ هذا العجز المثير للسخرية، هو واحدٌ من أغبى نزعاتنا السوداوية، هل ثمّة شيء أغبى من أن نكون حريصين على تحمّل عبءٍ نلقي به بعد ذلك بكلّ سرور، أن نكره أنفسنا ومن ثمّ نلجأ إليها على الفور، أن ندلل الأفعى التي تلتهمنا حتى تأكل قلوبنا؟!” 

 21c3caedc857c04c8746394a1cc3487f

 

Sometimes I need my skin to touch the breeze.” – 

Rising Appalachia

بحاجة في بعض الأحيان إلى أصابعي، لأتحسّس النّسيم.

  • “I have lived on the lip of insanity, wanting to know reasons, knocking on a door. It opens. I have been knocking from the inside.” – Rumi

لقد عشت على شَفا الجنون، أهيم بمعرفة الأسباب، وأطرق الباب حتى يفتح، فإذا فتح، ولجته وطرقته من الداخل. 

 

  • “I watched the sky a long time, concluding that such beauty was reserved for distant, dangerous places, and that nature has good reason for exacting her own special sacrifices from those determined to witness them.” – Richard Byrd

حدّقت فترة طويلة في السماء، وأيقنتُ أن الجمال محصورٌ في ما هو بعيدٌ وشاقّ، وأن ثمّة سبب مقنع للطبيعة؛ يتطلب تضحيات فريدة من أولئك العازمين على الخوض فيها.

 

 

  • I do not believe in anything.

I have no religion.

Except the in- and out- breaths.

And endlessly deepening wonder.”

– Jeff Foster

لا أؤمن بشيء.

لا ولا أبتغي دينًا.

عدا هذا الهواء،

المارّ من رئتيّ ..

وتساؤل ممتد لا نهاية له! 

 

  • What is it that you have disowned in yourself? What is it that you will avoid feeling at all costs? What parts of you have you relegated into the shadows?

When you were a little boy or girl it was intelligent to split off from overwhelming experience and pieces of yourself that you could not integrate at the time. But these pieces are looking for you. They only want to show you their light and their wisdom, and be allowed back inside. They will continue to search for you, and will appear as your friends, your children, your emotions, your lovers, your life circumstances, and even in the most precious orange leaves that are looking up at you in the morning.

Look carefully as your unlived life is always appearing before you.”

– Matt Licata

ما هو ذلك الذي جحدته بداخلك؟ ما هو ذلك الذي سيجنّبك ما تشعر به مهما كانت الظروف؟ وما هو البعض الذي سقط منك في الظلام؟

كم كانت فِطنة أن بقيت بعيدًا عن تجربة صعبة تخوضها عندما كنت طفلًا، لأنّ بعضًا من جوانبك لم تكن ناضجةً لتندمج معها آنذاك، لكنها الآن تبحث عنك. تسايرك النور والحكمة كي تعود إلى نفسك، وستبقى، في استمرارٍ دائم للبحث عنك، وستظهر أمامك في كلّ حين كما لو أنها أصدقاؤك، أطفالك، عواطفك، مُحبّيك، وظروفك، أو حتى كما لو أنها أوراق البرتقال التي تحدّق فيك كلّ صباح.

فلترعها بعناية، كما لو أن حياتك التي لم تعِشها بعد، تقف أمامك دائمًا.

“A survival is a crossing”

Life is just a moment, but it is extended indefinitely

قديم

A crossing in its vanishing does not fade but remains, neither does it disappear but rather it spreads. It crosses disinterestedly and goes on as I cross a bridge to another bank. Then nothing remains apart from the trace which I cannot feel and endure simultaneously. A survival is a crossing; what takes place will be impressed on the pocket of age. When everything is gone, it is still there, for all time and forever. A crossing is not ephemeral, it is the permanence of immortality. When everything is gone, there still is something that will never be gone. There is a vestige in its departure and an arrival in its vestige. What I cannot describe, it will be stuck in corridors of memory, and when the memory is incinerated, there will be the fragrant smell of memories.

Leaving goes only so far, coming is delineated by its opposite. There is neither affiliation with this moment, nor does the moment itself affiliate to its own self either. The times do not know what is an appropriate time to live in. I am wondering: how does time calculate itself? Is it like water? It drinks itself when it is thirsty. And what of water: is it not thirsty to drink of itself? The moment makes its escape from time, just as a wanderer has no concern for how time passes. When the wander wanders, time flows in a continuous movement. Time has not thought of this answer. As time goes on, there emerge movements that are something apart, a considerable confusion.

حين تغرق الشمس*

1)
لن تظمأ أكثر مما سبق،
فلتخمد أيّها القلب،
– ليس الوعد إلا كنفحة في الهواء
تمرق من أفواه مجهولة،
وتأتي بتخلّف ثقيل.
ها هي شمسي،
بقيظ واقفة على رأسي،
فيما أحييكم
أيها القادمون، كرياح مباغِتة!
كما لو أنكم مُهجة الظهيرة!
إذ يعبرني الهواء بدهشةٍ وجلاء
يستعصي على الليل أن يمنحني نظرة خاطفة وهنيئة،
أيها القلب الشجاع، تماسك؛
ولا تسأل عن السبب!
.
.
.
2)
في يوم من حياتي
تغرق الشمس
وإذّاك ..
يلمع البحر العذب المتصاعد
مثل شيءّ مطليّ بالذّهب!
وتتنفس الصخرة بهدوء وتهمس:
بينما السعادة تمرح في وادٍ سحيق،
– هل مازالت تغفو براحة في هجْعتها
مع طمأنينة وسكون؟!
 
وبحضور المساء،
يمضي ذلك اليوم من حياتي،
وقتما النعاس يملأ عيني،
إذ تنهمر الدموع منها . .
وتتلاشى بخفّة فوق ذلك البحر:
حبي الحميمي،
وسعادتي الخالدة!
ترجمة: رشاد حسن

الرغبة القصوى

وهكذا يموت،
مثل مرة شاهدته يموت،
الصديق الذي قذف الصواعق السماوية والنظرات نحو شبابي المعتم.
ممازحًا وصارمًا،
كرقّاص في المعركة!
العامر بالفرح بين المقاتلين، الأخطر بين المنتصرين.
هكذا، يستند المصير على مصيره،
بصعوبة، وانعكاس، وتحسّب.
هاهو 
يرتعد، لأنه الغالِب!
ويبتهج، لأنه انتصر على موته!
ها هو
مات الموت، 
ومازال قائدًا،
ثم أمر نفسه بتدمير نفسه!
وهكذا يموت،
كمرّة رأيته يموت،
مدحورًا، ومتلفًا!
ترجمة: رشاد حسن

الخلود*

صه!
فمن الأشياء العظيمة، أرى مهمة عظيمة!
يجب على المرء أن يلتزم الصمت،
أو يتحدّث بعظمة!
التحدّث بعظمة؛ إنها حكمتي البهجية!
هناك ..
مازلتُ أرى بحرًا هائجًا من الضوء!
 أيها الليل . .
أيها الصمت . .
أيها الصخب المميت الصامت!
إنني ألمح أثرَ ما هو أبعد من النزوح،
لنجوم وهّاجة
تأفل ببطء حيثما أكون.
ترجمة : رشاد حسن

أسلاك شائكة

.

أجلس قبالة الوقت، بفوضاء تسايرني من جهات كثيرة من مخيّلتي، تلتف في رأسي أسلاك الأفكار بشكلها الشائك، سلك فوق آخر، آخر معقود في آخر، كما لو أنها  جذور تنبجس من عروق الأرض، هناك عدد من النّاس لا يأبهون بهذه الفوضاء تعشعش في رؤوسهم، متصالحون مع أريحيّتهم بها، بل إن بعضهم لا يستمتع في يومه إذا لم تكن لديه فكرة يتعذّب بها.  أتمطط وأحدّق، آخذ شهيقًا يلحقه زفير قادم من أقصى رئتي، أشهق ثم أزفر، أزفر ثمّ أشهق، وهكذا .. حتى لكأن الفراغ مضرجًا بعبئي، أحاول أن أتخفف من عناء يدور في عينيّ، رؤيتي واضحة لكنها غير سديدة، تسيطر عليّ أفكار قادمة من زمانٍ بعيد، ماضٍ و قادم، في منتصف اللحظة أجدني أفكّر في خيطٍ رفيعٍ أوهم نفسي معه أن الأمور تسير وفقًا لما نريد، الغد لم يأتِ بعد. والأمس قد مرّ دون إحساسي به، واللحظة معبأة بهمّ كثيف. أفتح شبّاك رأسي، فأرى الطيور تغدو خلف بعضها  في صباح باكر، طائر الفكرة متلحف صوف أوهامه، وأوهامي متلحّفة أفكاري. أمدّ يدي إلى لا أحدٍ فأتحسسني وحيدًا هناك، أكون لا أحد في حضوري، وحضوري لا يكتمل به شيء سواي، مرِحة هي هذه اللحظة التي أجدني فيها ولا أجدني، عائمٌ فوق الخيال مثل إسفنجة تعوم على بركة ماء، أفكر في الكلمات، والأفكار، والصدفة، والتاريخ، والماضي، وابتسامة سديم، وأوشو، وهسّة، وبكِ، وكيف أن العالم هو كلمة في الأصل، وأنّ ما نراه يمر من أمامنا هو كلمة، كان حرفًا قبل ذلك، نمى فأصبح فكرة، فكرةً صارت حكاية طويلة، وهكذا، شيء يمتزج في آخر، ويصير آخر، المفرد ليس مزدوجًا بغير  شريكه، لستُ إليّ ولا لأحد. وأحدٌ ليس لي ولا إليّ. أفكك العالم فأجده قطعة من أشياء لا علاقة لها ببعضها، وذلك لأنه لا شيء آخر قادر على أن يكون هو نفسه ما لم يتشارك معه شيء سواه.

قرأتُ مرة أن الكتابة هي أعظم اختراع على مر العصور، وفي الحقيقة لا أعرف ما إذا كانت اختراعًا أم غير ذلك، لكنني آمنتُ بهذه الحقيقة المخيفة كثيرًا، وصرتُ أناضل لإثباتها، لو لم تكن الكتابة لما كانت هذه السلسلة، والتدوين، لما كنتُ أنا، وأوشو، وهسة، والتاريخ، والماضي، وكندة، وأنتِ، وما إلى ذلك… أمطّ الكلمات، أعقد كلمة بأخرى فإذا هي جملة خلّابة، أرتّب بعثرة رأسي بها مثل مهدّىْ، فإذا هو انشراح يجري في الصدر فسيح. لا علاقة للكلمات بما أقولها إلا أنها تعبر عن شيء يختبئ في صدري، قوّتي في الكلمة، غضبي هي إذ تنفجر من بركان يشتعل في صدري، أحملها دون إحساسي بثقلها الذي تخلّفه في صدري، ثقل لا حمولة فيه، وحمولةٌ لا ثقل يحويها، أُشبع بالكلمات سغبي إلى من لا أعرف عنهم شيئًا، أبحث خلف أفكاري عن أشخاص لا ينتمون لي، غريب في مكان آخر، أحسّه يجري في داخلي، ضائعون فيّ، لستُ شخصًا ولا آخر، ولا آخر قادر أن يكونني. أشعر بالمحبة تُملئ رِحال غُربتي، صوت أمي يرتد قريبًا فيُبصر معه عمى الهلع الذي تسمّره الغُربة على ظهري، أمشي ولكأنني آخرون أحملهم معي في خطواتٍ عديدة،  وخطوتي واحدة، أمشي إذ أمشي في الفراغ فإذا كلّه مختنق بي، لا سعة في الفراغ، لكنها الذكريات تحيط بي من كل مكان، حنيني إلى الماضي، يفحّم معه بهجة القادم، وبهجة القادم تمدّ لسانها على ماضٍ لا أرغب بعودته، إذ يصلح طريقي، ينعطب طريق آخر، إذ ينعطب الآخر، يهلك السائر من عليه. ووحدي السائر.

أمسي هو بهجة الحظ التي لطالما انتظرتها، تجاوزني مثلما تتجاوز الرياح هموم المدينة، يومي هو ما لا كنت أحلم به، أفيق منه صُبحًا ولا أشعر بمروره إلا عند الساعة الأخيرة من نفاده، غدي هو أمسي، أمسي هو يومي، ويومي هو انتظاري للغد!.. هكذا، ثلاثة أيام في مساء واحد، ومساءٌ واحدٌ في ثلاثة أيام، إذ بي هنا، فإنني في ثلاثة ليالٍ، أشعر بالأمس من يومي الذي ينقلني بسرعة الرّمش إلى الغد. ولستُ بباحثٍ عن شيء فيهم سوى الطمأنينة.

لنظرتي سهام تخرق معها ما أحدّق به، إذ أحدّق بشيء ما، فإنني أراه شيء آخر، لا شيء يكون هو إلا أرى ما يُشغلني مرسوم عليه، يمتثل سرب الأفكار في الصورة البيضاء أمامي، كلّ شيء لم يعد في الخارج، بل في رأسي، وكلّ ما في رأسي، متواجدٌ في الخارج. ليس من شيء يمكنني معه أن أفرّغ ما يختزلني، وذلك شأني مع الكلمات. أعالج بالكتابة همّي وأطرد همّتي، أخفف صداع النّصف بكبسولتين من الكلمات، وأوقفُ نزيف الحزن بشاشٍ من الجُمل، وأرتق شرخ الرّوح بملمس الحروف، وأردمُ صدع الفؤاد بكلمتين من الملاطفة، وأخيط شقوق الحنين بإبرةِ التذكّر. حيث لا شيء يمكنه أن ينتهي، لكنني أتعب. ومع التّعب أحسب أنه قد انتهى. التّعب ينهيني من واجباتي ليس إلا، ولكنه لا ينهي واجباتي كما أريد.

 

ما أضمره، ينطق به صمتي.

في البدء كان الفراغ، ثم جاء الصوت، ثم جاءت الإشارة، ثم جاءت الهمهمات، ثم جاءت الكلمة، ثم جاءت الفكرة، جاءت الفكرة مقرونة بالمعنى، ثم جاءت اللغة لتربط المعنى بالفكرة، ذهابًا وإيابًا، إيابًا وذهابًا، ثم توارت بعد ذلك اللغات والأفكار. كانت الكلمة الأولى غير مفهومة، كانت عبارة عن صوت، ولكن تعِب الناس آنذاك في فهم هذا الصوت، وفهم المعنى الذي يحتويه، هل هو الصوت نفسه يشرح نفسه بنفسه، أم أن الكلمة تحمل معنى مغايرًا أصعب من فهم الكلمة، لم يكن استيعاب السامع واسعًا حينها ليفهم المعنى بنفس تركيبته المحكيّة، ففضّل أن يكتفي بالصّوت.

جاء الصمت، لم يكن الصمت يحمل الفراغ، وليس الفراغ هو نفسه الصمت، كان الصمت ومازال يحمل الفكرة التي يصعب على الكلمة شرحها،  لأن الصمت في حقيقته عبارة عن مفردات يصعب شرحها من خلال الكلمات، لم تكن هناك كلمة مناسبة نقول من خلالها مانشعر به بالدقّة، لذا جاء الصمت ليخلّصنا من هذا العبء الذي نحمله، جاء ليخبرنا بلا عبارة أن الكلام ليس كما نفهمه حقيقة، أو نقوله، ليس هو ذاته الطريقة الوحيدة التي يعرفها الإنسان ويستخدمها ليعبّر عن أفكاره وآلامه ومواجعه وحبه وكرهه، إنه وسيلة واحدة من وسائل عدّة عرفها على مرّ العصور، وهو يحدث عن تدبير سابق من خلال الفم، أهو الصوت ذاته أم هي الكلمة التي يرسمها الصوت؟، أصرخ بـ “آه” فتعرف من خلال ما تسمعه أنني أتأوه، بالصّوت وحده يمكن لنا أن نتعرف على أكمل السبل صراحة اكتشفها المُتعَب للتنفيس عن كروبه، وليست الكلمة! إنه صوت الأنين، تلك الصرخة التي تخرج من أعماق المُنهك، ثم يرسمها بالكلمة على شكلِ (آه)، لم تكن آهه كلمة، بل صرخة!، لم تكن حكاية، بل وشاية!، ولم يكن يقصد بها أن يقول شيئًا، بل كان يتنفّس!

جاءت الكلمات، مندسة خلف الصوت، مندفعة من أعماق المتكلم ليروي لنا شيئًا، ثمّ بمعرفة هائلة، نفهم ما يرويه لنا بأعجوبة لا تصدّق!،. لم يكن الفم وحده الأداة التي نستخدمها للكلام، هناك الإشارة، يرفع الأبكم كفيه ليحكي معاناته لصاحبه، من خلال إيماءات بسيطة يعبّر له عن جرح معشوقته، عن سقوطه من التّل، عن رسالته الأخيرة لرئيسه، وعن محاولته في تخفيف أعبائه ممّا يراه يجري في العالم … عن شوائب كثيرة، يحكيها بأصابعه، وفي نفس اللحظة، بذات العمق الذي نفهمه من أصحابنا، يفهم صاحبه ما ترويه أصابعه بأعجوبة لا تصدّق!

جاء الفنان، ليتكلّم بمعزوفته، والرسّام بريشته، والكاتب بقلمه، جاءت الفنون لتشير إلى الفم بشكل آخر؛ فمُ الفنان معزوفته، وفمُ الرسام ريشته، وفم الكاتب قلمه، وهكذا…

أبحثُ عن فمي، صوتي، فكرتي، وكلمتي، أنا الذي ما فتئتُ أصرخ بملء قلمي، حتى يصرخ قلمي بملء ما فيه من كلمتي، جئت لأن الفراغ كان موحشًا، ولأن قلمي هو فوهة الجحيم التي تزفرُ صديدها للعالمين، جئت لأعبّر عن فكرتي بسخونةٍ لا تنقطع، جئت لأعبّر بالكلمات ما يعبّره الصوت من حَرّة الأنين، تتوجّع الكلمة كما يتوجّع الجسد، الجسد هو وعاء يحمل بداخله شيء ما، والكلمة هي وعاء الفكرة تحمل بداخلها شيء ما، أعبّر بالكلمة عن وجع الكلمة نفسها، وعن وجعي على الكلمة، تصرخ الكلمة من فوهة قلمي، فتنسكب جرحًا أزرق على صفحةٍ بيضاء، وكذا المواجع كلها، تنسكب من فوهة أفواهها بلا رغبة فوق مساحة ما. أعبّر عن ذاتي فإذا بي ألمس عبر وجعي ذات جسدٍ آخر، أصافح بوجعي وجعٌ هناك، أصيح من هنا في الجنوب، يا وجع الجنوب، فيرتدّ الصدى من هناك، في الشمال، يا وجع الجنوب!. وكلّه في جنوبيّتي، وكلّي في الشمال. جئت لأقول كما تقوله العبارة أول مرة، وبشكل غير مفهوم، بأن صوتي يحمل مواجعي، وبأن مواجعي تحمل همّ فكرتي، وبأن فكرتي هي ذاتها التي تتقاطع مع إنسانٍ آخر، غير أنني من أفضَحهُ كلّما فضَحَتْني فُوهة عِبارتي.

جئت بصمتٍ كثيف، أحكي الكلام، وفي حكايتي للكلام، صمتٌ بالغ. تقول العبارة ذاتها في سكوتي، ما لا أقوله بالكلام، ويسكت الكلام في غمرة حكايتي له. ضدٌ يجتمع بنقيضه، فيتّحدان معًا، يخرجان من فمٍ، ليس هو فمي، يقولان ما لا أود قوله، فإذا بصمتي، ينطقُ من ذلك الفم معنى أصعب من مقولتي، معنىً متشعّبًا، وحدي أنطق به، ووحدهُ سامعي يفهمه.