أسلاك شائكة

.

أجلس قبالة الوقت، بفوضاء تسايرني من جهات كثيرة من مخيّلتي، تلتف في رأسي أسلاك الأفكار بشكلها الشائك، سلك فوق آخر، آخر معقود في آخر، كما لو أنها  جذور تنبجس من عروق الأرض، هناك عدد من النّاس لا يأبهون بهذه الفوضاء تعشعش في رؤوسهم، متصالحون مع أريحيّتهم بها، بل إن بعضهم لا يستمتع في يومه إذا لم تكن لديه فكرة يتعذّب بها.  أتمطط وأحدّق، آخذ شهيقًا يلحقه زفير قادم من أقصى رئتي، أشهق ثم أزفر، أزفر ثمّ أشهق، وهكذا .. حتى لكأن الفراغ مضرجًا بعبئي، أحاول أن أتخفف من عناء يدور في عينيّ، رؤيتي واضحة لكنها غير سديدة، تسيطر عليّ أفكار قادمة من زمانٍ بعيد، ماضٍ و قادم، في منتصف اللحظة أجدني أفكّر في خيطٍ رفيعٍ أوهم نفسي معه أن الأمور تسير وفقًا لما نريد، الغد لم يأتِ بعد. والأمس قد مرّ دون إحساسي به، واللحظة معبأة بهمّ كثيف. أفتح شبّاك رأسي، فأرى الطيور تغدو خلف بعضها  في صباح باكر، طائر الفكرة متلحف صوف أوهامه، وأوهامي متلحّفة أفكاري. أمدّ يدي إلى لا أحدٍ فأتحسسني وحيدًا هناك، أكون لا أحد في حضوري، وحضوري لا يكتمل به شيء سواي، مرِحة هي هذه اللحظة التي أجدني فيها ولا أجدني، عائمٌ فوق الخيال مثل إسفنجة تعوم على بركة ماء، أفكر في الكلمات، والأفكار، والصدفة، والتاريخ، والماضي، وابتسامة سديم، وأوشو، وهسّة، وبكِ، وكيف أن العالم هو كلمة في الأصل، وأنّ ما نراه يمر من أمامنا هو كلمة، كان حرفًا قبل ذلك، نمى فأصبح فكرة، فكرةً صارت حكاية طويلة، وهكذا، شيء يمتزج في آخر، ويصير آخر، المفرد ليس مزدوجًا بغير  شريكه، لستُ إليّ ولا لأحد. وأحدٌ ليس لي ولا إليّ. أفكك العالم فأجده قطعة من أشياء لا علاقة لها ببعضها، وذلك لأنه لا شيء آخر قادر على أن يكون هو نفسه ما لم يتشارك معه شيء سواه.

قرأتُ مرة أن الكتابة هي أعظم اختراع على مر العصور، وفي الحقيقة لا أعرف ما إذا كانت اختراعًا أم غير ذلك، لكنني آمنتُ بهذه الحقيقة المخيفة كثيرًا، وصرتُ أناضل لإثباتها، لو لم تكن الكتابة لما كانت هذه السلسلة، والتدوين، لما كنتُ أنا، وأوشو، وهسة، والتاريخ، والماضي، وكندة، وأنتِ، وما إلى ذلك… أمطّ الكلمات، أعقد كلمة بأخرى فإذا هي جملة خلّابة، أرتّب بعثرة رأسي بها مثل مهدّىْ، فإذا هو انشراح يجري في الصدر فسيح. لا علاقة للكلمات بما أقولها إلا أنها تعبر عن شيء يختبئ في صدري، قوّتي في الكلمة، غضبي هي إذ تنفجر من بركان يشتعل في صدري، أحملها دون إحساسي بثقلها الذي تخلّفه في صدري، ثقل لا حمولة فيه، وحمولةٌ لا ثقل يحويها، أُشبع بالكلمات سغبي إلى من لا أعرف عنهم شيئًا، أبحث خلف أفكاري عن أشخاص لا ينتمون لي، غريب في مكان آخر، أحسّه يجري في داخلي، ضائعون فيّ، لستُ شخصًا ولا آخر، ولا آخر قادر أن يكونني. أشعر بالمحبة تُملئ رِحال غُربتي، صوت أمي يرتد قريبًا فيُبصر معه عمى الهلع الذي تسمّره الغُربة على ظهري، أمشي ولكأنني آخرون أحملهم معي في خطواتٍ عديدة،  وخطوتي واحدة، أمشي إذ أمشي في الفراغ فإذا كلّه مختنق بي، لا سعة في الفراغ، لكنها الذكريات تحيط بي من كل مكان، حنيني إلى الماضي، يفحّم معه بهجة القادم، وبهجة القادم تمدّ لسانها على ماضٍ لا أرغب بعودته، إذ يصلح طريقي، ينعطب طريق آخر، إذ ينعطب الآخر، يهلك السائر من عليه. ووحدي السائر.

أمسي هو بهجة الحظ التي لطالما انتظرتها، تجاوزني مثلما تتجاوز الرياح هموم المدينة، يومي هو ما لا كنت أحلم به، أفيق منه صُبحًا ولا أشعر بمروره إلا عند الساعة الأخيرة من نفاده، غدي هو أمسي، أمسي هو يومي، ويومي هو انتظاري للغد!.. هكذا، ثلاثة أيام في مساء واحد، ومساءٌ واحدٌ في ثلاثة أيام، إذ بي هنا، فإنني في ثلاثة ليالٍ، أشعر بالأمس من يومي الذي ينقلني بسرعة الرّمش إلى الغد. ولستُ بباحثٍ عن شيء فيهم سوى الطمأنينة.

لنظرتي سهام تخرق معها ما أحدّق به، إذ أحدّق بشيء ما، فإنني أراه شيء آخر، لا شيء يكون هو إلا أرى ما يُشغلني مرسوم عليه، يمتثل سرب الأفكار في الصورة البيضاء أمامي، كلّ شيء لم يعد في الخارج، بل في رأسي، وكلّ ما في رأسي، متواجدٌ في الخارج. ليس من شيء يمكنني معه أن أفرّغ ما يختزلني، وذلك شأني مع الكلمات. أعالج بالكتابة همّي وأطرد همّتي، أخفف صداع النّصف بكبسولتين من الكلمات، وأوقفُ نزيف الحزن بشاشٍ من الجُمل، وأرتق شرخ الرّوح بملمس الحروف، وأردمُ صدع الفؤاد بكلمتين من الملاطفة، وأخيط شقوق الحنين بإبرةِ التذكّر. حيث لا شيء يمكنه أن ينتهي، لكنني أتعب. ومع التّعب أحسب أنه قد انتهى. التّعب ينهيني من واجباتي ليس إلا، ولكنه لا ينهي واجباتي كما أريد.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *