ما أضمره، ينطق به صمتي.

في البدء كان الفراغ، ثم جاء الصوت، ثم جاءت الإشارة، ثم جاءت الهمهمات، ثم جاءت الكلمة، ثم جاءت الفكرة، جاءت الفكرة مقرونة بالمعنى، ثم جاءت اللغة لتربط المعنى بالفكرة، ذهابًا وإيابًا، إيابًا وذهابًا، ثم توارت بعد ذلك اللغات والأفكار. كانت الكلمة الأولى غير مفهومة، كانت عبارة عن صوت، ولكن تعِب الناس آنذاك في فهم هذا الصوت، وفهم المعنى الذي يحتويه، هل هو الصوت نفسه يشرح نفسه بنفسه، أم أن الكلمة تحمل معنى مغايرًا أصعب من فهم الكلمة، لم يكن استيعاب السامع واسعًا حينها ليفهم المعنى بنفس تركيبته المحكيّة، ففضّل أن يكتفي بالصّوت.

جاء الصمت، لم يكن الصمت يحمل الفراغ، وليس الفراغ هو نفسه الصمت، كان الصمت ومازال يحمل الفكرة التي يصعب على الكلمة شرحها،  لأن الصمت في حقيقته عبارة عن مفردات يصعب شرحها من خلال الكلمات، لم تكن هناك كلمة مناسبة نقول من خلالها مانشعر به بالدقّة، لذا جاء الصمت ليخلّصنا من هذا العبء الذي نحمله، جاء ليخبرنا بلا عبارة أن الكلام ليس كما نفهمه حقيقة، أو نقوله، ليس هو ذاته الطريقة الوحيدة التي يعرفها الإنسان ويستخدمها ليعبّر عن أفكاره وآلامه ومواجعه وحبه وكرهه، إنه وسيلة واحدة من وسائل عدّة عرفها على مرّ العصور، وهو يحدث عن تدبير سابق من خلال الفم، أهو الصوت ذاته أم هي الكلمة التي يرسمها الصوت؟، أصرخ بـ “آه” فتعرف من خلال ما تسمعه أنني أتأوه، بالصّوت وحده يمكن لنا أن نتعرف على أكمل السبل صراحة اكتشفها المُتعَب للتنفيس عن كروبه، وليست الكلمة! إنه صوت الأنين، تلك الصرخة التي تخرج من أعماق المُنهك، ثم يرسمها بالكلمة على شكلِ (آه)، لم تكن آهه كلمة، بل صرخة!، لم تكن حكاية، بل وشاية!، ولم يكن يقصد بها أن يقول شيئًا، بل كان يتنفّس!

جاءت الكلمات، مندسة خلف الصوت، مندفعة من أعماق المتكلم ليروي لنا شيئًا، ثمّ بمعرفة هائلة، نفهم ما يرويه لنا بأعجوبة لا تصدّق!،. لم يكن الفم وحده الأداة التي نستخدمها للكلام، هناك الإشارة، يرفع الأبكم كفيه ليحكي معاناته لصاحبه، من خلال إيماءات بسيطة يعبّر له عن جرح معشوقته، عن سقوطه من التّل، عن رسالته الأخيرة لرئيسه، وعن محاولته في تخفيف أعبائه ممّا يراه يجري في العالم … عن شوائب كثيرة، يحكيها بأصابعه، وفي نفس اللحظة، بذات العمق الذي نفهمه من أصحابنا، يفهم صاحبه ما ترويه أصابعه بأعجوبة لا تصدّق!

جاء الفنان، ليتكلّم بمعزوفته، والرسّام بريشته، والكاتب بقلمه، جاءت الفنون لتشير إلى الفم بشكل آخر؛ فمُ الفنان معزوفته، وفمُ الرسام ريشته، وفم الكاتب قلمه، وهكذا…

أبحثُ عن فمي، صوتي، فكرتي، وكلمتي، أنا الذي ما فتئتُ أصرخ بملء قلمي، حتى يصرخ قلمي بملء ما فيه من كلمتي، جئت لأن الفراغ كان موحشًا، ولأن قلمي هو فوهة الجحيم التي تزفرُ صديدها للعالمين، جئت لأعبّر عن فكرتي بسخونةٍ لا تنقطع، جئت لأعبّر بالكلمات ما يعبّره الصوت من حَرّة الأنين، تتوجّع الكلمة كما يتوجّع الجسد، الجسد هو وعاء يحمل بداخله شيء ما، والكلمة هي وعاء الفكرة تحمل بداخلها شيء ما، أعبّر بالكلمة عن وجع الكلمة نفسها، وعن وجعي على الكلمة، تصرخ الكلمة من فوهة قلمي، فتنسكب جرحًا أزرق على صفحةٍ بيضاء، وكذا المواجع كلها، تنسكب من فوهة أفواهها بلا رغبة فوق مساحة ما. أعبّر عن ذاتي فإذا بي ألمس عبر وجعي ذات جسدٍ آخر، أصافح بوجعي وجعٌ هناك، أصيح من هنا في الجنوب، يا وجع الجنوب، فيرتدّ الصدى من هناك، في الشمال، يا وجع الجنوب!. وكلّه في جنوبيّتي، وكلّي في الشمال. جئت لأقول كما تقوله العبارة أول مرة، وبشكل غير مفهوم، بأن صوتي يحمل مواجعي، وبأن مواجعي تحمل همّ فكرتي، وبأن فكرتي هي ذاتها التي تتقاطع مع إنسانٍ آخر، غير أنني من أفضَحهُ كلّما فضَحَتْني فُوهة عِبارتي.

جئت بصمتٍ كثيف، أحكي الكلام، وفي حكايتي للكلام، صمتٌ بالغ. تقول العبارة ذاتها في سكوتي، ما لا أقوله بالكلام، ويسكت الكلام في غمرة حكايتي له. ضدٌ يجتمع بنقيضه، فيتّحدان معًا، يخرجان من فمٍ، ليس هو فمي، يقولان ما لا أود قوله، فإذا بصمتي، ينطقُ من ذلك الفم معنى أصعب من مقولتي، معنىً متشعّبًا، وحدي أنطق به، ووحدهُ سامعي يفهمه.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *